الشيخ محمد الصادقي

94

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

ليهتدوا إليه « وَلَوْ نَشاءُ » - ولن ! إذ لن يستطيعوا - « لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ » : إلحاما للشقوق بين الأجفان حتى تكون مبهمة لا شق فيها ولا شفر لها ، وبأحرى - إذا - يبطل إدراكها كسفا لأنوارها فصارت ممسوحة لا يبصرون « فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ » في التزاحم التسارع إلى الصراط ، استبقوه متجاوزين عنه ! جاعلين إياه ورائهم ظهريّا « فَأَنَّى يُبْصِرُونَ » أنهم جاوزوه ، وأنى يبصرون الصراط حتى لا يسبقوه ؟ أم لو أنهم اهتدوا إلى الصراط على طمسهم بغتة وصدفة ، رغم استحالة اهتدائهم حتى إذ أبصروا ، هنا « لو نشاء » ولن « لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ » : إمكانيتهم في المضي ، ومكانهم ، ومكاناتهم التي يزعمون « فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا » إلى الصراط « لا يرجعون » إلى دنياهم تخلصا عن بلية العقاب . هذه الطمسة المسخة ليست بذلك البعيد عن قدرته تعالى وبالنسبة للكافرين المستحقين لها ، كيف ؟ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ ( 68 ) . إن النكسة في الخلق هي في أرذل العمر : « وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ » ( 16 : 70 ) فلا يزال الإنسان منذ ولادته إلى قوة ولحد الأربعين ، ومن ثم يتنازل إلى ضعف وضعف لحد النكسة الأرذل حيث تزول طاقاته الجسمية والروحية ولحد الطفولة وأرذل : « اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ » ( 30 : 54 ) إنا نعيد الشيخ الكبير إلى حال الطفل الصغير ، في الضعف بعد القوة والتثاقل بعد النهضة ، والأخلاق بعد الجدة ، تشبيها بمن انتكس على رأسه فصار أعلاه سفلا وأسفله علوا .